سُنّة المداولة في التاريخ والاجتماع السياسي الإسلامي

(تفريغ محاضرة)

مقدمة: السنن الإلهية وفهم حركة التاريخ

حين نتحدث عن السنن الإلهية في الكون، فإننا لا نتحدث عن فكرة وعظية عابرة، ولا عن مفهوم مجرّد يصلح للتأمل الروحي فحسب، بل عن قانون من قوانين الاجتماع والتاريخ والسياسة. فالسنن الإلهية هي القواعد الثابتة التي يجري عليها الكون المخلوق، ومنها سنن تتعلق بحركة المجتمعات والدول والصراعات. وقد سبق أن تناولتُ سُنّة التدافع، وبيّنتُ أنها من السنن المركزية في فهم النظرية السياسية الإسلامية، لأنها تكشف أن الصراع بين القوى، والأمم، والجماعات، ليس طارئًا على الحياة البشرية، بل هو جزء من بنية العالم الذي نعيش فيه.

غير أن هناك سنة أخرى قريبة من التدافع، لكنها ليست هي بعينها، وهي سنة المداولة. وهذه السنة من أهم السنن التي يحتاج العقل المسلم المعاصر إلى فهمها؛ لأنها تصحح نظرته إلى التاريخ، وتمنعه من الوقوع في اليأس من جهة، أو في الوهم الطوباوي من جهة أخرى. ومصدرها الأبرز قول الله تعالى: ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾. فالمداولة ليست مجرد وقوع النزاع، بل هي انتقال الغلبة والسلطان والقوة من طرف إلى طرف، ومن أمة إلى أمة، ومن جماعة إلى جماعة.

أولًا: الفرق بين التدافع والمداولة

التدافع هو أصل الصراع بين البشر. فالبشر لا يخلون من تنازع، والأمم لا تخلو من تضارب مصالح، والجماعات لا تعيش في سكون دائم. وهذا التدافع واقع بين المسلمين وغيرهم، وبين المسلمين أنفسهم، وبين كل جماعة وأخرى. أما المداولة فهي نتيجة مخصوصة من نتائج هذا التدافع؛ إذ تعني أن القوة لا تثبت لأحد، وأن الغلبة لا تدوم لطرف، وأن الأيام تتصرف بين الناس، فتُقبل على قوم ثم تنصرف عنهم، وتُقبل على غيرهم ثم تنصرف عنهم كذلك.

ولهذا فإن تعبير الطبري في تفسير المداولة، حين يتحدث عن تصريف الأيام بين الناس، تعبير دقيق للغاية. فليست القضية أن التاريخ يسير في خط واحد صاعد أو هابط، بل إن التاريخ حركة تداولية: صعود، ثم هبوط، ثم صعود آخر، ثم هبوط آخر. الملك لا يبقى، والدولة لا تخلد، والقوة لا تستقر، والضعف لا يدوم. هذه هي طبيعة التاريخ البشري كما يقررها الوحي، وكما تشهد لها الوقائع.

ثانيًا: غزوة أحد والدرس المبكر في المداولة

نزلت آية المداولة في سياق غزوة أحد، وهذا السياق شديد الدلالة. فقد انتصر المسلمون في بدر انتصارًا عظيمًا، حتى ظن بعض الشباب الذين لم يشهدوا بدرًا أن النصر صار أمرًا مضمونًا، وأن الخروج إلى قريش في أحد سيكون امتدادًا طبيعيًا لذلك النصر. وحين شاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في الخطة العسكرية، كان رأي كبار الصحابة، ومعهم عبد الله بن أبي بن سلول، أن يبقى المسلمون في المدينة، وأن يقاتلوا قريشًا داخلها، مستفيدين من طبيعة المدينة وبيوتها وشوارعها، بما يشبه ما نسميه اليوم مقاومة شعبية أو حرب مدن.

لكن فريقًا من الشباب المتوثبين ألحّوا على الخروج، لأنهم لم يحضروا بدرًا، وأرادوا أن يدركوا شرف المواجهة. فنزل النبي صلى الله عليه وسلم على رأي الجمهور، ولبس لأمة الحرب، ثم وقع ما وقع في أحد. وكان الدرس عظيمًا: بدر لا تعني أن النصر صار ضمانًا أبديًا، وأحد لا تعني أن الهزيمة نهاية التاريخ. إنما هي المداولة: يوم للمؤمنين، ويوم عليهم، ثم تعود الأيام فتتداول.

وهنا تتبين حكمة بالغة؛ فالأمة لا تُربّى على الوهم، ولا على اعتقاد أن مجرد الانتساب إلى الحق يجعل النصر حتميًا في كل معركة. ولو كان الأمر كذلك لما تعلّمت الأمة معنى الأخذ بالأسباب، ولا معنى الطاعة، ولا معنى فقه السنن. فالله سبحانه وتعالى يجري سننه حتى على خير خلقه صلى الله عليه وسلم، ليبقى الدرس للأمة كلها.

ثالثًا: خطأ قراءة التاريخ بوصفه انحدارًا مطلقًا

من أخطر ما أصاب العقل المسلم في بعض مراحله أنه قرأ أحاديث آخر الزمان، أو الأحاديث التي تشير إلى زيادة الشرور، قراءة خطية جامدة؛ فتصور أن كل زمن لا بد أن يكون شرًا من الذي قبله في كل جزئية، وأن كل مستقبل هو بالضرورة أسوأ من كل ماضٍ. وهذه القراءة، في تقديري، لا توافق الواقع التاريخي للمسلمين.

نعم، هناك معنى عام لتصاعد الشرور مع اتساع الدنيا، وكثرة الناس، وتعقّد الاجتماع، وتباعد الأمة عن زمن النبوة والخلافة الراشدة. لكن هذا لا يعني أن الخير ينقطع، ولا أن الإصلاح يستحيل، ولا أن كل مرحلة لاحقة أدنى من كل مرحلة سابقة في كل شيء. فالتاريخ الإسلامي نفسه شاهد على خلاف ذلك. جاء الحجاج بما جاء به من ظلم وشدة، ثم جاء بعده عمر بن عبد العزيز. وسيطرت دول باطنية ورافضية كالفاطميين والقرامطة والبويهيين في مراحل من التاريخ، ثم جاء بعد ذلك صعود دول سنية واسعة كالسلاجقة والأيوبيين والمماليك. وظهرت فتن فكرية وعقدية، ثم جاء من يجدد ويصحح ويقاوم.

إذن فالتاريخ ليس خطًا واحدًا منحدرًا بلا عودة، بل هو مداولة بين خير وشر، وعدل وظلم، وسنة وبدعة، وقوة وضعف. وقد يغلب الشر في أزمنة، لكنه لا يلغي الخير. وقد يضعف أهل الحق، لكنهم لا ينقرضون. وهذا المعنى هو الذي يحمي المسلم من اليأس، كما يحميه من السذاجة.

رابعًا: الطائفة المنصورة ومعنى النصر

يرتبط هذا الفهم بمفهوم الطائفة المنصورة. فبقاء طائفة من الأمة على الحق إلى قيام الساعة يعني أن الخير لا ينعدم، وأن الدين لا يضيع، وأن التجديد لا ينقطع. لكن ينبغي أن نفهم النصر فهمًا صحيحًا؛ فالنصر لا يعني دائمًا الملك والسلطان. قد تكون الطائفة منصورة ببقاء الحق معها، وبحفظ الله لذكرها، وبكونها ميزانًا للأمة في زمن الانحراف.

كثير من أهل السلطان الذين ملأوا الدنيا ضجيجًا في أزمنتهم انتهوا إلى النسيان، أو لم يبقوا إلا مثالًا للظلم. وفي المقابل بقي ذكر أحمد بن حنبل، وابن تيمية، وغيرهما من أعلام الحق، مع أنهم لم يكونوا أصحاب ملك. السلطان قد يزول، والرتب قد تذهب، والنياشين قد تُنسى، لكن الحق إذا حمله رجال صادقون أبقى الله ذكرهم في الأمة. ومن هنا نفهم أن الطائفة المخذولة قد تملك وتحكم، لكنها مخذولة إذا حاربت الدين أو تخلت عنه أو أفسدت الناس بسلطانها. والطائفة المنصورة قد تُحارب وتُسجن وتُؤذى، لكنها منصورة بما معها من حق وبما يرفعه الله لها من ذكر.

خامسًا: بين اليأس والطوبى: المداولة توازن العقل المسلم

سنة المداولة تمنع المسلم من مرضين متقابلين: مرض اليأس، ومرض الطوبى. فاليائس يتصور أن الشر انتصر نهائيًا، وأن الشريعة نُحّيت إلى الأبد، وأنه لا فائدة من عمل أو دعوة أو جهاد أو أمر بمعروف ونهي عن منكر. وهذا الفهم يدفع صاحبه إما إلى انعزالية قاتلة، أو إلى هوس بأخبار الملاحم والنهايات، فيظل يبحث عن المهدي، وعن العلامات، وعن الخلاص الخارج عن قدرة الإنسان وعمله.

وفي المقابل، هناك من يتصور أن الوصول إلى السلطة أو تحقيق نصر سياسي معين يعني نهاية التدافع، وكأن أهل الخير إذا صعدوا انتهى الشر إلى الأبد. وهذا وهم آخر. فالمداولة تعني أن الشر لا ينتهي من الدنيا، كما أن الخير لا ينعدم منها. الدنيا دار بلاء، لا دار خلاص نهائي. حتى لو تحقق عدل واسع في مرحلة ما، فسيبقى التدافع، وستبقى الفتن، وسيعود الاختبار في صور جديدة.

لذلك فإن المداولة تمنح المسلم تفاؤلًا منضبطًا: نعم، يمكن للحق أن يعلو بعد أن يُنحّى، ويمكن للعدل أن يعود بعد الظلم، ويمكن للأمة أن تنهض بعد الانكسار. لكنها في الوقت نفسه تمنعه من اعتقاد أن التاريخ سيصل إلى حالة نهائية مستقرة لا صراع فيها ولا فتنة.

سادسًا: الاستقرار في خطاب الظلمة

من زاوية أخرى، إذا نظرنا إلى الظلمة وأهل السلطان المطلق، وجدنا أنهم أكثر الناس خوفًا من المداولة، وإن لم يسموها بهذا الاسم. فكلمة “الاستقرار” كثيرًا ما تكون الكلمة المركزية في خطاب الطغاة. يريدون استقرارًا بمعنى بقاء السلطة كما هي، وبقاء الهرم كما هو، وبقاء الناس في مواضعهم بلا حركة. وقد رأينا في الحضارات القديمة، كالمصرية القديمة، رموزًا سياسية تقوم على مقاومة الفوضى بوصفها الشر المطلق، وتجعل الحاكم مركز النظام والاستقرار.

لكن سنة الله لا تجامل هؤلاء. فمهما بنى الظالمون من جدران، ومهما أكثروا من القهر، يبقى أهل الحق صداعًا لهم. الحاكم الظالم لا ينام مطمئنًا، لأنه يعلم أن ما معه ليس حقًا خالصًا، وأن الأيام لا تثبت لأحد. ولهذا ترى بعضهم، وهو في أوج سلطانه، يخاف من الأموات كما يخاف من الأحياء، ويخشى أن يُفعل بقبره كما فعل هو بقبور خصومه. هذه هي المداولة وهي تعمل في النفوس قبل أن تعمل في الدول.

سابعًا: المداولة بين الرجعية والتقدمية

تساعدنا سنة المداولة كذلك على تجاوز ثنائية زائفة بين الرجعية والتقدمية. فالرجعية، في صورتها الجامدة، تتخيل أن هناك نموذجًا قديمًا كاملًا يجب إعادته كما هو، بكل صوره التاريخية وتفاصيله السلطانية، وترفض كل جديد لأنه جديد. ومن هنا يعجب بعض الناس بنماذج القوة والقهر في التاريخ الإسلامي، لا بنماذج العدل والرشد، وكأن المثال السياسي عندهم يبدأ من الملك العضوض لا من الخلافة الراشدة.

أما التقدمية فتقع في الوهم المقابل؛ إذ تتصور أن القديم كله تخلف، وأن البشرية تسير إلى نموذج نهائي كامل، وأن الديمقراطية الليبرالية أو غيرها يمكن أن تكون نهاية التاريخ السياسي. وهذا أيضًا يخالف سنة المداولة؛ فلا يوجد نموذج بشري نهائي يغلق التاريخ. كل نظام يحمل داخله إمكانات القوة والفساد، وكل تجربة تحتاج إلى مراجعة، وكل مرحلة تخضع للتدافع.

الفهم الإسلامي الأقوم لا هو رجعي جامد ولا تقدمي منقطع عن الوحي. هو فهم يميز بين الثابت والمتغير. عندنا مبادئ سياسية ثابتة: تقديم الكفاءة، رفض الغش في تولية غير الأكفاء، اعتبار رضا الأمة، حماية الدين، إقامة الصلاة، حفظ الشريعة، ومنع الظلم. أما الصور والمؤسسات والآليات فتجتهد فيها الأمة بحسب الزمان والمكان، ما دامت تحقق تلك المبادئ ولا تهدمها.

ثامنًا: اختيار الأمة والكفاءة في الحكم

ومن القضايا التي تكشف أثر المداولة في التاريخ الإسلامي قضية العلاقة بين السلالة والكفاءة. فقد شهد تاريخ المسلمين مداولة طويلة بين من يملك شرعية النسب والسلالة، ومن يملك الكفاءة الفعلية في القيادة والحكم. في مراحل كثيرة كان الخليفة أو السلطان يملك اسمه وموقعه الوراثي، بينما القوة الحقيقية والإدارة الفعلية والجهاد وقيادة الجيوش في يد رجال آخرين من الأتراك أو الأكراد أو غيرهم.

صلاح الدين الأيوبي مثلًا لم يكن خليفة، بل كان يدعو للخليفة العباسي، لكن الكفاءة التاريخية كانت عنده؛ فهو الذي جمع الجيوش، وقاد المعارك، وحرر، وبنى مشروعًا سياسيًا وعسكريًا واسعًا. وكذلك في مراحل لاحقة ظهرت دول كالمماليك، حيث غلب منطق الكفاءة العسكرية والسياسية على منطق السلالة، ثم عادت مشكلات أخرى حين تحولت الكفاءة نفسها إلى صراع بين المتكافئين، أو إلى وراثة جديدة.

هذا يؤكد أن التاريخ الإسلامي لم يكن ساكنًا، بل كان ميدان مداولة مستمرة بين مبادئ الشرع، وضغط الواقع، ومطالب الكفاءة، وإغراءات السلالة، وشهوة السلطان.

خاتمة: المداولة بوصفها ميزانًا للتفاؤل والعمل

إن سنة المداولة من أهم السنن التي ينبغي أن يستحضرها المسلم في فهمه للتاريخ والسياسة. فهي تقول له: لا تيأس، فالشر لا يملك التاريخ كله. وتقول له أيضًا: لا تغتر، فالخير إذا علا لا يلغي الابتلاء. وهي تدفعه إلى العمل، لا إلى انتظار المعجزات؛ وإلى إعداد القوة الإيمانية والعلمية والعسكرية والسياسية، لا إلى الهروب من الواقع. وهي تجعله يؤمن بأن المستقبل لهذا الدين، لا بمعنى أن الطريق سهل أو أن النصر دائم بلا كلفة، بل بمعنى أن الحق باقٍ، وأن التجديد ممكن، وأن الأيام لا تثبت لظالم، ولا تنتهي عند هزيمة، ولا تقف عند نصر.

Post a Comment

أحدث أقدم